محمد هادي معرفة
474
شبهات وردود حول القرآن الكريم
فوقع ملكها « كرزوس » أسيرا في يد كورش ، وكان قد تآمر ضدّه مع سائر الدول للقضاء على امبراطوريّة فارس ، ولكنّه فشل ووقعت بلاده طعمة رخيصة للملك الفارسي ، ومن ثمّ حاول إحراقه بالنار ، لكنّه سامحه وعفى عنه ، حسب دأبه مع سائر أمراء البلاد الذين بغوا عليه وأصفح عنهم . وبذلك نرى الآيات لعلّها تتصادق مع ما سجّله التاريخ بشأن كورش . فقد قويت شوكته بعد أن وحّد فارس ماديا بعد الاستيلاء على « إكباتان » ( همدان - اليوم ) . فذهب متوجّها نحو الغرب لإخضاع مناوئيه هناك ( ليديا ) . الأمر الذي يتصادق مع قوله تعالى : إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ ( بتوحيد بلاد فارس وماديا ) وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً ( أي علما بطرق الفتح والظفر على الخصوم ) « 1 » فَأَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ( هي الضفة الغربيّة من آسيا الصغرى ، حيث بلاد ليديا ، تركيا الحاليّة ) وَجَدَها ( أي الشمس ) تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ حيث بحر إيجة ويسمّى بحر المغرب ، وبحر مرمرة وعلى امتدادهما البحر الأسود ، وكلّها تضرب بالسواد ، كأنّه الوحل . والحمأة : الطين الأسود . وكانت الشمس تغرب على آفاق تتاخم تلك البحار الضاربة لونها إلى السواد . وهكذا سار كورش ( ذو القرنين ) بجيوشه نحو مغرب الشمس ( غربيّ بلاد فارس - آسيا الصغرى ) حتّى أوقفه البحر ، ولم يكن من شبر أمامه من يابس - في مسيرته تلك - ! فما ذا بعد قرص الشمس المحتقن وقد تخضّب بحمرة كأنّه ينزف ما فيه من طاقة . . . ما ذا بعد قرص الشمس وقد اصفرّ واحتضر وتضاءل عند الأفق ، ثمّ هوى وسقط غارقا في العين الحمئة . . . « 2 » في خليج « إزمير » ، « 3 » بين الماء والطين الأسود العكر اللّذين يسكبهما نهر « جيديس » ؟ لقد رأى كورش ( ذو القرنين ) في هذا المشهد ما يشدّه إلى الخالق الأعظم ، مالك
--> ( 1 ) عن قتادة والضحّاك : علما يتسبّب به إلى تحقيق إرادته وبلوغ مآربه . وعن الجبائي : كلّ شيء يستعين به الملوك على فتح البلاد والظفر على الأعداء . مجمع البيان ، ج 6 ، ص 490 . ( 2 ) والعين - هنا - : لجّة الماء وعبابه المتموّج ، فيتراءى للناظر على ساحل البحر كأنّ الشمس تغرب في عبابه ، كما أنّ الناظر إليها وهي تغرب في البرّ ، كأنّها تغرب في أرض ملساء . ( 3 ) هي « سميرنا » ( enrymS ) القديمة ، مرفأ عظيم في تركيا على بحر إيجة .